سيد محمد طنطاوي

256

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

نظلمهم بإلقائهم في جهنم ، وإنما جازيناهم بذلك جزاء موافقا لأعمالهم السيئة في الدنيا . فقوله : * ( جَزاءً ) * منصوب على أنه مفعول مطلق لفعل محذوف ، وقوله * ( وِفاقاً ) * صفة له والوفاق مصدر وافق ، وهو هنا بمعنى اسم الفاعل . أي : جوزوا جزاء موافقا لأعمالهم القبيحة التي كانوا يعملونها في الدنيا . ثم علل - سبحانه - ما أصابهم من عذاب أليم ، فقال : * ( إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً . وكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً ) * . أي : إن هؤلاء الطغاة كانوا في الدنيا لا يخافون حسابنا ، ولا يفكرون فيه ، بل كانوا يكذبون به ، وبكل ما جاءهم به رسولنا تكذيبا عظيما . وقوله : * ( كِذَّاباً ) * مصدر كذب ، ومجئ فعّال بمعنى تفعيل في مصدر فعّل فصيح شائع . وأوثر هذا المصدر دون التكذيب ، للإشعار بأن تكذيبهم لآيات اللَّه - تعالى - قد وصل الغاية في قبحه وإفراطه . وهو منصوب على أنه مفعول مطلق مؤكد لعامله . قال صاحب الكشاف : قوله * ( كِذَّاباً ) * أي : تكذيبا . وفعّال في باب فعّل ، كله فاش في كلام فصحاء العرب لا يقولون غيره . وهو مصدر كذّب . . . « 1 » . ثم بين - سبحانه - شمول علمه لكل شيء فقال : * ( وكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناه كِتاباً ) * و « كل » منصوب على الاشتغال ، والإحصاء للشيء : ضبطه ضبطا محكما . وأصله من لفظ الحصا ، واستعمل فيه لأنهم كانوا يعتمدون على الحصا في العد ، كما يعتمد بعض الناس الآن على الأصابع . قال الجمل : وقوله : * ( كِتاباً ) * فيه أوجه : أحدها : أنه مصدر من معنى أحصيناه ، أي : إحصاء فالتجوز في نفس المصدر . والثاني : أنه مصدر لأحصينا ، لأنه في معنى كتبنا . فالتجوز في نفس الفعل . . . « 2 » . أي : وكل شيء في هذا الكون ، قد أحصيناه إحصاء تاما ، بحيث لا يعزب منه شيء عن علمنا ، مهما كان صغيرا . والفاء في قوله * ( فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً ) * للتفريع على ما تقدم من كون جهنم كانت مرصادا ، للطاغين مآبا . . . أي : إن جهنم كانت معدة ومهيأة لهؤلاء الطغاة بسبب أعمالهم القبيحة ، وسيقال لهم يوم القيامة على سبيل الإذلال والإهانة ، ذوقوا سوء عاقبة كفركم وفسوقكم وعصيانكم ، فلن نزيدكم إلا عذابا فوق العذاب الذي أنتم فيه .

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 689 . ( 2 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 474 .